الأيزدية، تلك الديانة التي ذاقت، وعبر تاريخها الطويل الأمرين، فقد اتهم أبناؤها بالكفر والإلحاد، فتعرضوا (طبعا) إلى شتى صنوف الكوارث والنكبات من: قتل وفتك وتشريد وخراب وسبي… هذه التهم الأزلية باتت ترافق الفرد الايزدى إلى هذه الساعة! حيث يولد الإيزدي حرا بريئا، لكنه يرى انه متهم ويدان أيضا! من دون الرجوع إلى إثبات إدانته! وحيث أن الأيزدية متهمة بالكفر، ولم يغلق ملف القضية بعد، بات من السهل جدا أن يدانوا باتهامات أخرى عديدة، وهنا أود تفنيد بعض تلك التهم الملصقة بهم من قبل بعض الكتاب والباحثين السطحيين والمغرضين!
– ديانة أسسها يزيد بن معاوية الأموي.
– ديانة أسسها عدي بن مسافر الأموي.
– هم أتباع يزيد بن أنيسة الخارجي.
– هي فرقة منشقة عن الإسلام.
– لأبنائها ذيول طويلة .
– إن نسائهم لا يضعن أولادهن إلا قبل مرور سنة كاملة .
– هم بقايا الزرادشتية.
– للكلاب عندهم حرمة, فإذا وضعت المرأة, أرضعت ابنها بحليب كلبة سوداء.
– إنهم يعبدون الشيطان.
– كل من يموت منهم يوضع في كفه شعر كلب.
– يتبعون يزيد بن معاوية ويؤلهونه.
– هي حركة صوفية خالصة.
– هي حركة سياسية خالصة, جعلت لها صبغة دينية تسير تحتها لتعيد الحكم إلى الأمويين.
– إنهم ينتمون إلى القومية العربية
– إنهم ينتمون إلى الآشوريين.
– الأيزدية هي ديانة وقومية في آن واحد.
– هم قتلة الحسن والحسين (رض).
– في بادئ الأمر يقدمون الأكل إلى الكلاب, ثم يأكلون فضلاتهم.
– هم مسيحيون اخطئوا وانحرفوا.
– إذا مات كلب أسود يغسلونه بماء البصل ويكفنونه ويذهبون به إلى المقبرة ويدفنونه ويتخذون له مأتما ويطعمون لروحه كبابا مشوبا ويوزعون على الكلاب الباقية.
– هم الذين قمعوا الانتفاضة المجيدة عام 1991 في جنوب العراق. و.. .. وإلى آخره من التهم والأقاويل الباطلة والمغرضة والنابعة من روح عنصرية – شوفينية, أو عن جهل مطبق حول اعتقادات ومراسيم وتاريخ هذه الديانة العريقة والموغلة في القدم, أو بقصد التفرقة وذبح روح التسامح والتعايش بينهم وبين إخوانهم في الوطن أو القومية.. وإن هذه التهم والأقاويل المجحفة, قد ألصقت بالأيزدية خلال مراحل متعددة من تاريخها , فأية تهمة من شأنها أن تسيء بسمعتهم و تضعهم أمام الواقع المر, قد أطلقت عليهم دون تردد, وذلك لإبادتهم, والتهم الأنفة ذكرها – والتي هي غيض من فيض – كل واحدة منها تعود إلى فترة زمنية معينة.
هنا سأحاول التحدث عن تهمتين فقط, واترك البقية إلى فرصة أخرى إنشاء الله.
قلنا الأيزدية اتهمت بأنها ديانة أسسها يزيد بن معاوية ثاني خلفاء الدولة الأموية , والذي امتدت فترة خلافته من عام (680م) إلى (683م) وأنهم – الأيزدية – كانوا رهن إشارته ومطيعين له ولا زالوا يؤلهونه وان أيدي الأيزدية ملطخة بدماء الحسن والحسين (رض), ولم يكتفوا بذلك أيضا , فانتظروا بفارق الصبر , حتى قامت الانتفاضة الباسلة في جنوب العراق عام 1991 , فقاموا (بقمعها)!!.
تعالوا معا لنتمعن في تلك التهم ومدى صدقها أو كذبها.
.1 حول تأسيس يزيد بن معاوية الأموي الديانة الأيزدية , نقول والكل يعرف إن ما من مصدر أو وثيقة تاريخية إسلامية أو غير إسلامية , ورد فيها قيام يزيد بن معاوية بتأسيس ديانة أو تأليب الأيزدية على قتال الحسن والحسين أو جماعتهما, إذن فكل ما قيل بهذا الشأن لا يعدو كونه زورا ونفاقا .
.2 الأيزدية ككلمة و جدت منقوشة على إحدى اللوحات السومرية بمعنى الخير أو الصالح وفي اللغات واللهجات الشرقية وردت هذه الكلمة لتدل على معان تكاد تكون مرادفة لبعضها مثل: (الإله – العلي – روح الخير – الطهارة… الخ) ثم تطورت في اللغة الكوردية الى (ايزدان – يزدان) لتدل على لفظ يراد به (الالهيون أو الربوبيون) أي الذين يعبدون الله , هذه حقيقة علمية – تاريخية تؤكد بأن هذه اللفظة لا علاقة لها بما يسمى بـ(اليزيدية) وتفند الرأي القائل بصلتها بتسمية (يزيد بن معاوية) أو غيرها.
كما ورد ذكر (ايزي أو سلطان ايزي) في نصوصهم الدينية المقدسة بمعنى الله سبحانه وتعالى, وليس المقصود به يزيد بن معاوية.
إليكم ترجمة لبعض تلك النصوص:
يملك آلي ألف اسم واسم
هذه الدنيا لديه ساعة وخطوة
يعرف السلطان ايزي كم رشفة ماء في البحر وكم حجر في الوديان
وهو الذي جعل من (حواء) عروسة ومن (آدم) عريسا
أو هذا النص:
أيها السلطان ايزي أنت على الأرض
أنت في السماء, أنت اللوح وأنت القلم
أنت حاضر في الأعراس وفي الأحزان
أنت مع عيسى بن مريم
أو هذا النص:
يا سلطان ايزي
أنت تنزل المطر
وأنت تخثر البحار العظيمة
وأنت تدبر شؤون هذا الدنيا
وأنت لنا المذهب والدين
أو هذا النص:
سلطان ايزي هو الإله
سمي بألف اسم واسم
والاسم الأعظم هو الله.
وغيرها الكثير من النصوص المقدسة التي تثبت ان (ايزي أو سلطان ايزي) هو ذاته الله سبحانه.
.3 أظن انه لا غرابة في الأمر إذا كان العرب يسمون الخالق (الله) والإنكليز (God) والفرنسيون (ديو) والفرس( يزدان) واليهود (إيل) والايزديين (ايزي), ولا غرابة أيضا أن يحور اسم أو أية كلمة أخرى بين لهجة ولهجة, حيث أن (ايزي – ايزيد – يزيد – يزدان) جميعها ذات مدلول واحد, علما إن الأيزدية لا يلفظون اسم الجلالة (يزيد) وإنما (ايزي).
.4 اطلعت على مصادر جمة حول الأيزدية والايزديين, ولكن لم أقف يوما على مصدر يذكر أن الأيزدية قد تعاونوا مع يزيد بن معاوية الأموي, حتى ولو كان قد ذكر ذلك, فأنا على يقين أن كاتبه قد ذكر ذلك جزافا ولنية في نفسه وليس عن حقيقة علمية – تاريخية.
.5 أثناء الحرب العراقية – الإيرانية (1980 – 1988) زج أبناء الأيزدية كغيرهم من أبناء الشعب العراقي في جبهات القتال – دون أن يكون لهم أي دور يذكر في الصفوف الخاصة والحساسة كالطيران مثلا – من منطلق عدم إيمانهم بمبررات تلك الحرب ونتيجة سياسات التعريب والتهجير والتبعيث وإيمانهم بقضيتهم القومية ومشاركتهم في صفوف الحركة التحررية الكوردية, وأيضا لكي لا يكونوا فريسة وحش الحرب التي (لا ناقة لهم فيها ولا جمل) ولأسباب أخرى.. فإن نسبة الأيزديين في سلك الجيش لم تكن تتجاوز الربع من مجموع المؤهلين للعسكرية منهم, وبعد حرب الخليج الثانية وما تبعه من الهزيمة التي مني بها الجيش العراقي, فإن عدد الأيزديين الذين تركوا الجيش قد تجاوز (90%), إذن هل يعقل أن يكون لتلك الفئة القليلة القوة الجبارة, (لقمع) انتفاضة شعب بأسره? اللهم إلا إذا كان قوة كل واحدة منهم تحاكي قوة السوبرمان)!!.
إن نجاح النظام الدكتاتوري – وللأسف الشديد – في زرع بذور الفتنة والتفرقة, من خلال مؤامراته الخبيثة بين جميع شرائح المجتمع العراقي, كان لها دور في خلق انطباعات لا أساس لها. عليه أؤكد وأنا على يقين تام بأن (العسكر) من الأيزديين في حينها كانوا بريئين من تلك التهمة الباطلة كبراءة الذئب من دم يوسف.
.6 قبل أن توجه قوات النظام أفواه مدافعها وقاذفاتها صوب الأضرحة والأماكن المقدسة لإخواننا الشيعة في جنوب العراق إبان الانتفاضة المجيدة, كانت الأضرحة والمزارات الأيزدية قد أخذت حصتها من الردم بمادة ال- )TNT( وأفواه الجرافات منذ عام (87 – 1988).
.7 إن أبناء الأيزدية – ولله الحمد – لم يكونوا يوما من الأيام آلة بيد أي حاكم ظالم ولم يتطاولوا على أية شريحة دينية أو اجتماعية أو قومية ولم يكونوا يوما حجر عثرة في طريق أية حركة أو حزب, بل ناضلوا جنبا إلى جنب مع الخيرين والغيورين والمدافعين عن حقوقهم القومية المسلوبة, حيث كان لهم الحضور المتميز أيام ثورتي أيلول وأيار الكورديتين التحرريتين, فدافعوا وقاتلوا جنبا إلى جنب مع أخوتهم من المسلمين الكورد ببسالة فائقة ودورهم الإيجابي في انتفاضة آذار المجيدة عام .1991
نعم, إن الأيزدية قد دفعت ضريبة كل تهمة – من التهم السالفة ذكرها- وفي جميع مراحل تاريخها, وكما قلنا فان كل تهمة قد ألقيت إليهم في حقبة زمنية معينة كان من شأنها أن تجيز إبادتهم .
كما أن معظم الكتاب والباحثين, من الذين تناولوا الأيزدية جعلوا من عناوين نتاجاتهم, إعلانات براقة ومن فحوى مقالاتهم مادة صحفية ملفتة, هنا أود أن أقول للأخوة الكتاب والباحثين من الذين يجعلون من الأيزدية مادة لهم: الاطلاع والتعمق ومن ثم الموضوعية فالحكم, وإن بعد الظن إثم .
أنا إذ اذكر كل هذا,لست في موقف الدفاع عن هذه الديانة أو أتباعها – وأنا واحد منهم – إنما أقول ذلك اعتمادا على مصادر علمية – تاريخية – وحقائق منطقية ليس إلا, وكما يقال: (إن أهل مكة أدرى بشعابها).
حيث أن العراق مطل على تغيرات جذرية, نأمل أن تكون تلك التغيرات في مصلحة الشعب العراقي بأسره، ونأمل أن تتكاتف جميع القوميات والأديان والمذاهب والطوائف وجميع الشرائح الاجتماعية الأخرى, وأن يكونوا يدا واحدة لبناء مادمر وإزالة كافة النعرات والثغرات وقلع جذور الفتنة والتفرقة بينهم, وأن تدخل السعادة قلب كل طفل وشاب وكاهل ويعم السلام والتآخي والمحبة جميع شعوب المعمورة.
وأخيرا … أرجو أن يكون هذا المقال المتواضع بداية لحوار صادق ومستمر على أساس الأخوة والاحترام المتبادل بين الأيزديين والأخوة الأعزاء من الشيعة.