خيري بوزاني – 1999
قبل البدء : الى الامس القريب ، وان لم نقل الى اليوم ، لم يكن العوام وحتى المقربين يحلفون بالايزديين كثيراً،آخذين من النعوت والصفات القائلة بالباطل في حقهم ، مبرراً للنفور منهم ، دون الالتفات الى حقيقتهم او مدى صحة ما قيل وكتب عنهم في بطون المؤلفات !!
غافلين او ناسين او متناسين بما جرى لهم وما واجههم من كوارث ، فقد انبأنا المؤرخون والاسلاف بما حل بالايزديين من الويلات والنقمات وما توالت عليهم من الهجمات ، حتى ما برحت ان ولت الاولى ، لتاتي الاخرى فتكمل على شتاتهم ، فتقرأ بين اسطر المؤلفات بما جرت لعوائلهم من تشتت وتفككات ، ولقراهم من خراب ولنسائهم من سبي ، ولاموالهم من نهب ولارواحهم من قتل وفتك … كل ذلك لا لخطيئة اقترفوها ولا لجريمة ارتكبوها ، سوى انهم ظلوا متمسكين بايديهم واسنانهم معتقدهم الموروث من الاسلاف ، ومحافظين على عاداتهم وتقاليدهم وتراثهم وفلكلورهم … على الرغم من عدم وجود التكافؤ في ميزان العدة والعدد .
كان لجراء ما حدث لهم ، تأثيراً مزدوجاً ، فبالاضافة الى تلك المآسي والويلات …
انتابتهم حالة سايكولوجية متمثلة بالاعتكاف والتقوقع في مجمتع زراعي رعوي قبلي صغير ومتواضع ، ومنوال ايامهم لاتعدوا اكثر من عمل شاق قاسٍ يبدأون به من الفجر وينتهون منه بنهاية النهار .
ومع ذلك كانوا راضين متراضين شاكرين بكسرة خبز ، وكلما بدى لهم شبح تلك المآسي ازداد تقوقعهم الى حد عدم الثقة بالغرباء .
فمارسوا العبادة سراً واسدلوا مراسيمهم الدينية بستار ، الى ان وصل بهم الامر ، الى التحفظ عند التفوه باية معلومة تخص الدين ، سواء كانت للايزديين او لغيرهم . كما ظلوا حائرين في امرهم ، امام معادلة صعبة ، الا وهي التنافر من الغير لتاحشي الانحلال ، والتقرب منهم بغية البقاء !! وهذا ما زاد في الطين بلة ، حيث اصبحت صورتهم امام الانظار متباينة ومشوهة .
فمنهم من اتهموهم بالاحاد والزندقة ومنهم من اعتقدوا بانهم من الفرق المنشقة يجب انقيادهم بالكره ، وآخرون نعتوهم بصفات غير لائقة ومنهم من عاملوهم معاملة يندى لها الجبين !!! .
ناهيك عن حرمانهم من ابسط الحقوق الحياتية الاخرى ، كحق القراءة والكتابة – وخاصة لغة الام – وحق التعبير عن الذات وحق التثقيف بثقافة قوميتهم .. الى حق التمتع بالحياة كسائر اقرانهم من بني آدم .
وبالرغم من كل هذا وذاك ، يبدوا ان محاولات الايزديين من اجل البقاء قد افلحت .
ما قال وقيل
كثيرون هم الذين كتبوا عن الايزدية والايزديين منهم من حاواوا جاهدين لبحث في الاعماق مثل ( توفيق وهبي وجمال نبز وشاكر فتاح وجورج جيب وخدر سليمان و د. خليل جندي و د. ممو عثمان و عزالدين سليم …الخ )
واتصفت بعض ما كتبوه (صديق الدملوجي و د. سامي سعيد الاحمد ..) بالموضوعية ، في الوقت الذي لا يعدو كتابات ( عبدالرزاق الحسني وسعيد الديوه جي ) اكثر من الدوران في حلقة مفرغة ، والغريب عند هؤلاء انهم اعادوا صياغة ما كتب قبلهم حول الايزديين .
اما ماكتب من قبل (بعض ) المستشرقين فهي ليست الا للاثارة ولا للتدقيق العلمي .
وهنا لا انوي ان ارد على كل ما كتب وقيل – وعلى مر الزمن – بحق الايزدية والايزديين ، وانما اكتفي بغيض من فيض ما قالوه ، ليكون القراء الكرام على بينة من الامر ، وليدركوا مدى صحة ما كتب عن الايزديين من تهم واقاويل باطلة وبعيدة كل البعد عن الحقيقة . والله من وراء القصد .
هذيان سائح تركي
عبر (1) السائح التركي (اولياء ضلبي )(2) عن حقده الدفين تجاه ايزدية سنجار،عند زيارتة لهم سنة 1654م حيث قال (… وانهم وسخون وفي رؤوسهم القمل والصواب ..) وهنا نقول : هل كان يريد ضلبي من مجتمع ينتشر فيه الجهل والفقر ومن اناس قرويين رعويين زراعيين .. قد عاشوا قبل 345 سنة من الان ، ان يلتفتوا الى حياة الترف والعطور والشامبوهات ؟
ولو اخذنا الان ايضاً عينة من مجتمع يتوفر فيه الظروف اعلاه لوجدنا فيه ما قاله الضلبي .
ثم يقول : (واكثرهم قصيرو القامة وليس لهم رقاب واضحة ، فكأن رؤوسهم خرجت من اكتافهم ) يبدو ان ما شاهده او بالاحرى ما تخيله الضلبي ، هم ليسوا باهل سنجار ، لانهم متميزون عن غيرهم بطول ورشاقة اجسامهم ورقابهم الواضحة ، وان اهل سنجار اليوم هم احفاد السنجاريين قبل 345 سنة ، فلو كان ما قاله الضلبي صحيحاَ لتوارثوا عن آبائهم واجدادهم ، واوصاف الجلبي هذا .
وبعد عدة عبارات واهية وعارية تماماَ عن الصحة ياتي ليحاول تغيير المنطق والعلم وحتى ارادة الله سبحانه وتعالى ، بقوله : (… وان نسائهم لا يضعن اولادهن قبل مرور سنة كاملة ..) !!! وهنا اتساءل لِمَ لَمْ يفطن معدوا كتب العجائب والغرائب الى هذه الظاهرة لحد الان ؟ ولماذا لم تكن نساؤوهن الان هكذا ؟
ان مثل هذا القول لا يعدو سوى افتراء فاضح لا يليق حتى بالمجانين النطق به .
وبعد هذا يأتي بعبارة باهتة اخرى ، وذلك في معرض حديثه عن الولادة والرضاعة عند الايزديين فيقول 🙁 وللكلاب عندهم حرمة ، فاذا اوضعت المرأة ارتضعت ابنها بحليب كلبة سوداء ) !!!!
علما انه من بين انبل العادات لدى النساء الايزديات انهن – كغيرهن – لا يرضعن اولادهن من ثدي نساء لهن اطفال مرضى او مشوهين او متخلفين في العقل ، وكم من طفل توفي نتيجة ندرة او عدم وجود مرضعات .. فلا ادري من اين جاءالضلبي بهذا وكيف سمح لنفسه ان ينسج هذه الكذبة القذرة ؟.
ويبدو انالضلبي كان مولعاَ بالكلاب ، حيث ذكرهم في اكثر من مرة وفي مناسبة وغير مناسبة ، حتى وصل به الامر ليقول : ( في باديء الامر يقدمون الاكل الى الكلاب ثم يأكلون فضلاتهم )!!!!
وهذه تهمة باطلة الى ابعد الحدود والايزديون بريئون منها كبراءة الذئب من دم يوسف ، لا اقول اكثر من هذا فارد الكيد كيدين .
واستميح القارىء الكريم فآتي بهذيانة اخرى من هذيانات الضلبي ، حيث كتب : ( واذا مات كلب اسود يغسلونه بماء البصل ويكفنونه ويذهبون به الى المقبرة ويدفنونه ويتخذون له مآتماً ويطعمون له خيرات لروحه كباباً مشوياً ويوزعون على الكلاب الباقية ، كل من يموت يوضع في كفه شعر كلب )!!! يالها من كذبة سخيفة ومن افتراء باهت وفاضح وكم كنت اود لو اعرف لمن كتب الضلبي، لكي لا يأخذ بنظر الاعتبار مستوى قراءه ؟!
هذ المرة بطل الرواية ديك
ثم كتب سائح اوربي آخر (3) لا يقل حقده او جهله عن الايزديين بالنسبة لحقد وجهل الضلبي مثقال ذرة واحدة ، ولكن بطل رواية هذا السائح ليس كلب الضلبي ، حيث يقول : ( وقد سمعت بانهم – الايزديين – ينصبون بين آوانة واخرى مائدة لا يدعون لها أي شخص من غير دينهم ويطلقون بها ديكاً فاذا اكل الديك من الطعام فيعتقدون ان نذورهم قد قلبت واذا لم يتقدم منه فان ذلك دليل على عدم قبولها )!.
إن دل هذا على شيء فانما يدل على جهل السائح المذكور المطبق بالايزديين ، فقد استشهد بشيء لا يجد له أي سند في ارض الواقع وتتمخض ما قاله عن جملة من المغالطات وهذا دليل قاطع على انه لم يرى الايزديين وانما سمع بهم فكتب ذلك من نسيج خياله المريض .
كتب عبدالرزاق الحسني في كتابه (اليزيديون في حاضرهم وماضيهم )
ط11 ، ط9 ، هامش رقم (3) يقول : (… كنت طبعت رسالة عن اليزيدية او عبدة (ش) في عام 1929 م ثم نحوت فيها منحنى المستشرقين في ذكر اصل هذه الطائفة ولما اعدت طبع هذه الرسالة في عام 1931 غيرت عقيدتي في هذا الاصل ذلك لان التحقيقات التاريخية دلتني على انهم (مسلمون متزهدون ) يعتقدون الامامة في يزيد وكونه على الحق ).
والحقيقة هو انه كلما جاء الحسني واستهونه طبع كتابة كرة اخرى ، جاء وغير عقيدتة في اصل الايزديين بدليل انه يقول ان الايزديين يعبدون ال(ش) ومرة اخرى يقول انهم مسلمون متزهدون واخرى انهم ينتحلون دين المجوسية … وكأن الايزديين لعبة في يديه يلعب بهم كيفما يشاء ويقول بحقهم اشياء غريبة وعجيبة .
تسيس الايزدية
وامتداداً من كلب الضلبي وديك السائح الاوربي ،يأتي سعيد الديوه جي ليسيس الايزدية بقوله (ان اليزدية حركة سياسية خالصة ، جعلت لها صبغة دينية تسير تحتها لتعيد الحكم الى الامويين ) ! (4) معاذ الله .
يقال بان احدهم اراد دراسة سلوك وتكوين جسم الذبابة . فاخذ عينة منها واجرى عليها دراسته .خطر له ان يقطع جناحيها ، فقطعهما وصاح بها فلم تتحرك الذبابة ، فهرع الباحث الى القلم وكتب : (… وتوصلت اخيراً باننا لو قطعنا اجنحة الذبابة ، تفقد حاسة السمع ).
وشر البلية ما يضحك .
الهوامش
- كما وصف الايزديين بالشجاعة وقوة الارادة ..
- اولياء ضلبي، سياحي نامه سي- القسطنطينية (1896- 1900) المجلد الرابع ص61 – 71 ، نقلاً عن السادة (عباس العزاوي – صديق الدملوجي و د . سامي سعيد الاحمد ، في كتبهم عن الايزدية .
- انظر (اليزيدية احوالهم ومعتقداتهم ) (د. سامي سعيد الاحمد) ج1 بغداد 1971 ،ص53 هامش رقم (2) .
- سعيد الديوه جي – اليزيدية ، بغداد سنة 1973 ، ص9 .

