DestpêkNivîsên bi pênûsên dinقراءة في قصص خيري بوزاني

قراءة في قصص خيري بوزاني

الدكتور باقر الكرباسي*

المقدمة


  • ‏     للجمال جاذبية وقوة كجاذبية الأرض , وبالرغم من وجودهما إلاّ أنّ الجمال معشوق متبوع ومعبود أيضاً , ومَن ينكره لساناً يقصده روحاً , لذا بدأت محاكاة جمال الطبيعة من الإنسان البدائي ساكن الكهوف , مروراً بالحضارات وما خلدته من عجائب في جمال الفنون والعلوم , ولجمال الآداب حضور في قوة إبداعِهِ و جاذبيهِ , وكما هي الحياة وتنوع جمال طبيعتها , يتنوع جمال الآداب وفنونها , وإن هذا التعدد في التنوع أتاح فضاءً لحرية الذائقة عند الإنسان والمجتمعات , كل بحسب المحيط والبيئة والاقتصادي , وكذلك شمل هذا التنوع الفنون التشكيلية من رسم وزخرفة و كرافيك , وفي الشعر من ملحمة وعمود وبحور , ومن حُرّ ونثر , وفنون السرد من حكاية ورواية وقصة ونقد , وكل عنوان من فنون السرد تفرع وتنوع وأَزهر و أَثمر , ومن هذه الفنون السرية التي أخذت مكانتها بجدارة , فنون القصة القصيرة جداً , وقصة الومضة , والقصة القصيرة جداً في مفهومها هي جنس سردي يحتوي أيضاً بعضاً من مواصفات الأجناس السردية ولاسيما عناصر السرد , عنصر الشخصية , وسمة المضمر والتكثيف و المفارقة , سادت وانتشرت في الآونة الأخيرة لأسباب أهمها غياب النقد , والعزوف عن قراءة الرواية , هذا فضلاً عن انتماء شكل القصة القصيرة جداً إلى عصر الحداثة أو عصر السرعة إذا صح التعبير وهذا يتماشى تماماً مع طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية فيمكن للمتلقي أن يقرأها وهو في (المترو)أو يمكن قراءتها في العمل وهكذا, وللقصة القصيرة جداً نمطان : الأول : النمط الواقعي أي تهب في سرد تفاصيل الأحداث اليومية أو طبائع الحياة للإنسان بلغة تقترب من وصف الماضي وأحداثه , و النمط الثاني الخيالي وفيه الرمزية و الغرائبية .
    القراءة :

  • ( قناديل الحب والحياة ) مجموعة من القصص القصيرة جداً عنوانها يوحي بمثابة ضوء أزرق أو أخضر يدعو القارئ لدخول عوالم التنوع الذي يفصح عنها جمع , قنديل , والجمع هنا ليس التكرار , بل جمع التنوع , قناديل الحب لا يشبه بعضها بعضاً , حتى التوائم منها لها بصمات مختلفة , إنّ قناديل الحب هي كبصمات الإبهام , كذلك قناديل الحياة , وعلى ذِكَر التنوع الذي ارتبط مع الفنون ومنها فنون السرد وما نحن بصَدَدِه , وهذا التنوع الذي ألزم الفنون أن تكون كبصمات الإبهام إذ عُدّ التكرار عيباً , وهنا تذكرت ما قاله
    ف . ف . كوزينوف عن مشكلة الأنواع و الاصناف الأدبية : (تؤلف الأشكال النوعية الشرط الحتمي لوجود و تطور فن الكلمة ) ويقول أيضاً : ( من الممكن مقارنتها مثلاً , بالأشكال الثلاثة للفن التشكيلي , هذه الأشكال التي لا تنفصل عن بعضها وهي : فن الرسم . فن الزخرفة , في الكرافيك , ويمكن إعتبار الأدب القصصي شبيهاً لحد ما لفن الرسم , والشعر لفن الزخرفة , أما الدراما التي لا تستخدم سوى الحوار فيمكن تشبيهها بفن الكرافيك وحيد اللون ) , إنّ هذا التشبيه بجعل لفنون السرد حرية للمبدعين تجعلهم خارج سطوة وهيمنة المسطرة والقواعد مثلما شهدت مدارس فن الرسم بظهور مدارس إبداعية جمالية , لذا يصعب على القارئ الناقد التعامل مع فنون السرد عامة والقصة القصيرة جداً على وجه الخصوص , التعامل وفق قواعد محددة , فالجمال الإبداعي وحده الذي يفرض حضوره , ويوجد منه يشبّه القصة القصيرة جداً بإمارة ( موناكو) رغم صغرها إلاّ أنّها ساحرة تشد و تجذب الناس إليها من كل القارات , كون هذا اللون ولد ليكون كالوجوه , كالأمواج , كالبصمات , لا تشابه فيها , منها : القصة الفجائية , القصة البريدية , القصة متناهية الصغر, الحكائية , بورتريهات ….إلخ , ومن خلال التقدم الذي حصل في مجال سرعة الاتصالات وشبكات التواصل الإجتماعي الذي أثر على فنون القصة القصيرة جداً لتكون أقصر وأصغر , فأصبحت ومضة كومضة البرق المدهشه , وهذا الذي ميّز سرد الومضة عن باقي فنونه السرد , وهذا القصر مع الصغر ضمته مجموعة ( قناديل الحب والحياة) , موزعة بين قصص الومضة والومضه , فعنوان المجموعة فيه إشارة إلى قصر وصغر قصص الومضات من حيث عدد الكلمات المقننة بين الخمسين والأربع كلمات , كما في القصة القصيرة جداً غير المعنونة : (عندما كان طفلاً , كان يرفع يده والمعلم لم يكن يهتم به , أَصبح لاجئاً وكان يمد يديه لتلقي المعونات …. إلى آخر القصة ) فقد غلب على مجموعة ( قناديل الحب والحياة ) أفعال الماضي بشقيه البعد والقريب , وأفعال المضارعة , ففي قصة يتحدث عن رحلة عمرية طويلة تمتد إلى الهرم و الشيخوخة , في هذا القناديل يقول ( كان يحب القمر في طفولته , وفي ريعان  شبابه بدأ يحدق إلى الأقمار , وعندما هرم أصبح ينام على ضوء القمر) .

  • ‏إمتازت قناديل المؤلف خيري بوزاني المترجمة من لورين جتو  برصدها لتفاصيل حياة المجتمع بكل طبقاته وفئاته من الناحية الاجتماعية والإقتصادية والسياسية والنفسية ووجه إليها عدسة قلمه وسونار واقعيته , دونها بمداد الواقعية مرة , و أخرى بالتهكم والسخرية , وتارة محلقاً بأجنة الخيال , أو بالجمع معاً , كما في : ( بعد أن شبع موظفو منظمة إنسانية من تناول الطعام في أفضل مطعم ، قرروا أن يدونوا مشروع مساعدة اللاجئين في إحدى الكافيتريات ) , إن هذه القصة المدونه بمرارة وسخرية هي بمثابة وثيقة للواقع الذي زحف عليه التصحر الإنساني , إراد الكاتب بحسه الإنساني وخياله الجمالي أَن يجعل قناديل الحب والحياة هي مرأة وبانوراما الواقع بأدق تفاصيله , محاولاً التنبيه والتلميح والإشارة في قصصٍ و لوخز ورفع رايات الإعتراض والرعد في قصص ومضات أخرى , محاولاً وعبر الجميع بين ما هو شكلا في وخيالي أن ينتقد كل ما هو ضد لأن الأنسنة المجتمعية , قصص ووضات صورت المعاناة والألم والجشع , حتى الشهيق والزفير والصمت والآهات , (اليد الذي أحيت به الصغار , أصبح سبب موتها ) قصة تصور العطاء والإيثار والتضحية , وعن الصراع النفسي ( كان يحترم أباه ويخاف من أخيه وزوجته ) يتساءل موجهاً سبابته إلى الذين الذَين أدوا قسم ( أبو قراط) الإنساني , إلى الأطباء : ( ماذا دهاك أيها الطبيب ! ألست من هذه البلاد ؟! ),كذلك تصدى للنصح والوعظ متخذاً من الألوان ورموزها هدفاً : ( ليلة حمراء جعلت كل حياتي سوداء ) , وهنا جمع بين اللذة المتهورة و عواقبها الوخيمة بايجاز وتكثيف يليق بالومضة , وبسخرية وتهكم يوخز كل من لم يفكر بغده ويمتطي صهوة غرورة في هذا الومضة ( بعد غروب يومه , رأى كل لوحات الحياة سوداء ) .
    قناديل الحب والحياة لخيري بوزاني هي مجموعة القراء من كل الأعمار , قناديل للشباب وللكهول , للنساء والرجال , أنها قناديل الواقع بأمسه ويومه .
    ‏أمّا المجموعة القصصية الثانية ( سهم وهدفان ) لخيري بوزاني وترجمة فائز الحراقي , فقد اختار الكاتب العنوان بوصفه عتبه أولى للقراءة بذكر حقيقة الشخصيات والأحداث وهو في الوقت نفسه يمثل الفكرة المكثفة للمتن الذي يعتليه , وهنا الكاتب يضع القارئ أمام مشهدية معقدة من المواقف والأحداث التي حاول من خلالها وعن طريقها ملاحظة الإنسان ، ملاحظة الإنسان المعاصر المقهور و محاولة رصد مشكلات العصر , وهو في اختياراته هذه يحدد ملامح تشظي الذات وفقدان الهوية الذي تليست به معظم هذه الشخصيات , فقد ارتبطت الشخصيات إرتباطاً وثيقاً بالزمن , فكانت متردده بين هيمنة الماضي بإحباطاته وثقل الحاضر بخذلانه , لذا فإن الاسترجاعات بشكل عام مثلت البعد الأبرز في المفارقات الزمنية التي اشتغل عليها الكاتب وهو يلاحق أقدار شخصياته , وقد فقدت بعض القصص تجنيسها فجاءت هلامية مشتتة مترددة بين فن الخير والقص , فقد تكون فكرة القصة مبهمة بقصد أو من دون قصد , ولعل السبب الاهم هو المبالغة في التكثيف الذي يعد من أهم مزيات القصة القصيرة جدا فمثلاً : ( الدار بأثاثة , وذكرياته للبيع ) ص 13 , فإن المبالغة بالتكثيف افقد هذا النص جنسه الذي ينتمي إليه فلا هو خير ولا هو قصة , واقتراح تعديله ليصبح : (اجتمع الوراثة , خطوا على جدار المنزل , الدار بأثاثة وذكرياته للبيع ) , والمعروف عند الباحثين والنقاد أن عنصري الدهشة والمفاجأة من أهم اشتراطات القصة القصيرة جداً ولكنها في هذه المجموعة كان بعضها باهتاً على خلاف المفارقة التي كانت في أغلب النصوص حيويته شحنتها بطاقات تعبيرية فريدة , ‏مع أن اغلب النصوص صيغت بمشهدية تصويرية سُرد فيها الحدث درامياً , وهو حدث كان ينبثق أو يولد ولا ينمو وهذا التعاطي من أهم اشتراطات هذا الفن الذي أجاد توظيفه الكاتب .
    أمّا نهايات قصص هذه المجموعة تنوعت بين ثلاثة أنواع : 
    النهاية المفتوحة , والنهاية المفاجأة وهي الأكثر, والنهاية المزدوجة , وفي ذلك محاولة من الكاتب في التنويع من جهة , و محاولة كسر أفق التوقع للقارئ من جهة أخرى علاوة على دفع الملل والسأم عند المتلقي , وكذلك نأى الكاتب في مجموعته هذه عن تقديم شخصياته على الصعيدين الداخلي (النفسي) و الخارجي (الشكلي) وذلك طلباً اللتكثيف والإيجاز فنراه قد إتكأ على حواس الشخصية الساردة بشكل كبير احتل فيها لبعد المرتبة الأولى تلتها السمع أمّا الشم فهو قد وظف في نص واحد فقط .
     
       أما المجموعة الثالثة من قصص خيري بوزاني القصيرة جداً والموسومة ( موجة الرمال السوداء ) والمهداة الى ضحايا الإبادة الجماعية للإيزيديين , حاولت هذا النصوص أن تضيء جانباً من جوانب الإبداع السردي عند الكاتب , إذ شكلت هذا النصوص التي تعرض فيها الى ما فعلته الجماعات الإرهابية موقفاً فكرياً ثابتاً يدين جميع أشكال الظلم والممارسات غير الصحيحة والمشينة التي تمتهن كرامة الإنسان , والتي تضيع فيها أبسط حقوق الانسان في أن يعيش آمنا على نفسه , ولذا عني القاص بوزاني عناية لافتة في قصصه بهذا الإنسان الذي يكابد القهر والرعب , فيقول في نص قصير  :
     
    ليلأ وصنع رأسه على الوسادة
    (( ياالهي إرحم بحالنا ))
    صباحاً على تكبيرة ( الله أكبر )
    إستيقظ ليرى : الفرار … قطع الرؤوس
    السبي  … السلب والنهب
     
     هكذا توهج عند بوزاني الإحساس بالوطن وما يفعله الإرهابيون بناسه وشعبه المسالم من الإيزيديين , فيتحدث عن أناسٍ يرغبون بالأمان والعيش بسلام واذا بهم في صباحهم الذي تمنوا ألآ يأتي لأن المحنة بقطع الرؤوس والسبي والسلب والنهب والفرار بدأت ,
    وتكشف المكونات اللغوية بمفرداتها البسيطة وطريقة توزيعها في بناء القصة عن حس شفيف يأخذنا الى فضاء واسع تمتد فيه صدقه الرؤية في اكتناه نماذج هذا العصر السياسي الذي تنطوي أبعاده على معاناة اجتماعية يدفع ثمنها الأبرياء والبسطاء من الناس , إن هذا التلازم الذي يتكىء في الخطاب القصصي على صهر عنصري الانسان والعصر في مكون واحد هو الإنسان نفسه المهدر القيمة .
    وفي أغلب نصوصه الأخرى يعالج خيري بوزاني علاقته بالعالم الذي يعيش فيه مع ناسه الموجودين في سنجار بقيمهم وعواطفهم النبيلة والتي يدمرها هذا الإرهاب المقيت , فيقول في نصٍ :
    ثلاثة أطفال :
    – عندما أكبر سأصبح طبيباً
    – وأنا سأصبح معلماً
    – إذن أنا سأكون طياراً
     
    بعد عدة أشهر التقوا جميعاً في أزقة
    التـــشـــرد   ….
     
    وينطوي الخطاب القصصي عند خيري بوزاني في نهايته على بعد إنساني تنتقل فيه الذات من درجة التشخيص الى مستوى الإ بلاغ المستشعر حجم الكارثة , وهكذا تفصح نصوص المجموعة عن أن طبيعة العصر المعيش تقتضي التعامل مع الآخرين من القوة والشك في نواياهم وعدم الركون الى العلاقات والعواطف الإنسانية الهشة ,
    سعدت كثيراً وأنا أقرأ قصص خيري بوزاني القصيرة جداً , فوجدته متمكناً من هذا الفن الصعب , وأشد على يديه في أن يستمر بالكتابة ولا يتوقف .
  • باقر محمد جعفر الكرباسي ، دكتوراه دراسات انسانية ( اللغة العربية وادابها ) التربية الاساسية – اللغةالعربية. جامعة الكوفة – كلية التربية الاساسية – قسم اللغة العربية.
المادة السابقة
مقالات ذات صلة

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

Xeyrî Bozanî
مجالات العمل:
  • Wanedan / Rojnamegerî
  • Civaka Sivîl / Siyaset
  • Rêveberî / Lêkolîna Zanistî
Çap û Berhem
  • frîneriya Wêjeyî: Helbest, kurteçîrokên pir kurt, nivîsên tanzî (tinazî), û lêkolînên wêjeyî.
  • Werger: Wergera di navbera zimanên Kurdî û Erebî de.
  • Lêkolîn û Vekolîn.
  • Gotarên Rojnamegeriyê.
  • Mufredatên Xwendinê.
Ezmûnên Zanistî yên Din
  • Pêşxistina Mirovî û Çareserkirina Nakokiyan.
  • Bihêzkirina nirxên pêkvejiyan û lêborînê.

الأكثر شهرة

احدث التعليقات

error: Content is protected !!